سعوديون يتحدثون.. عن القبيلة
خليل علي حيدر
المصدر: جريدة الوطن
تاريخ الإضافة: 17/03/2009 ميلادي - 20/3/1430 هجري
زيارة: 727
ما تعاني منه "القبيلة" في السعودية ومجتمعها، هو نفس وضعها في مجتمعات خليجية، وأحيانًا غير خليجية، أخرى
فعلى الرغم مِن أنها أحد المكونات المُهِمَّة في المجتمع السعودي، يلاحظ "عبدالحي شاهين" في مجلة "الإسلام اليوم"، يونيه 2008، أنَّ الحديث عنها دائمًا ما يكون شائكًا ومثيرًا للجَدَل، فهناك من يُناصر هذه القبيلة إلى أقصى مدى، وهناك أيضًا مَن يُحاربها، ويدعو إلى التخلُّص منها، والانخراط في مجتمع مدنيٍّ ليس فيه تَمايُزات أو اختلافات، وبين هؤلاء وأولئك هناك مَن يُنادي بالتوسُّط في النَّظَر إلى موضوع القبيلة، فلا يدعو إلى التخلُّص منها، ولا إلى التمسُّك الزائد بها، وإنما يعمل جهده على إحداث ما يصفه بأنه نوعٌ منَ التوازُن والإنصاف، مُعتَرِفًا بأنَّ للقبيلة محاسنها الكبيرة، وأنها شَكَّلَتْ على الدَّوام إحدى القلاع المهمَّة في الدِّفاع عن الهُوية والتقاليد والقِيَم الإسلاميَّة والعَرَبيَّة".
إنَّ للقبيلة تأثيرها الواضِح في الحياة الاجتماعيَّة، في: الكويت، والسعودية، وقطر، والإمارات، واليَمَن، والأردن، والعراق، وحتى في بعض بُلدان شمال إفريقيا، وللعديدِ مِن هذه الدول للتوازُنات والتحالُفات القبليَّة وزْنها المؤثِّر والمرجح والحاسِم في الانتخابات النيابيَّة والطلابيَّة، وتشكيل الوزارات، وإرساء الأمن، ومع هذا لا نراها تنال نصيبها المطلوب منَ البَحْث والتأليف والاستبيانات، وكثيرًا ما يطغى "الفهم الإعلامي" للقبليَّة، ومُحاولة المبالَغة في إظهار أهميتها أو تجاهل تأثيرها.
والحقيقةُ أن ثَمَّة أسئلة اجتماعيَّة بالغة الأهمية، تطرحها تحرُّكات القبائل في مختلف مجتمعاتنا، تتعلَّق بسلبيات هذه القبائل وإيجابياتها، وبتعاوُنها مع الدولة والتحديث، أو تمرُّدها عليهما، ولكن كيف ينظر بعضُ علماء السعودية ومفكِّريها إلى الواقع القبلي هناك؟
من هؤلاء الشيخ الدكتور الفنيسان، الذي أَكَّدَ للمجلة: "أن ظاهرة القبيلة في المجتمَع السعودي قد تعدَّتْ حدود الشرع، ووصلتْ إلى الحدِّ المذموم، وأنَّها أصبحَتْ تنذر بالخطر، محذِّرًا مِن أنَّ عدمَ التوازُن في النَّظَر إلى هذه القضية، قد يدخل المجتمع في متاهات، هو في غِنى عنها".
وأضاف د.الفنيسان: "إن الإسلام لم يضاد القبيلة، ولم يَنْه عنها، لكنه رشدها، وَوَضَعَ لها حدودًا معينة، ومَنَعَ تَعَدِّيها، حتى لا تصبحَ خصمًا للمجتمع".
وأبدى الشيخُ فنيسان استياءه مِن انتشار الظاهِرَة؛ حيث إنَّ "الكثيرَ مِن مكونات المجتمع السعودي أصبحتْ تَتَفَاخَر على غيرها بالنَّسَب والقبيلة"؛ بل إنَّ الشيخَ أبدى تخوُّفه مِن أن يؤدِّي استمرار هذه النزعة "إلى تقويض المجتمع، وهدم أساسه"، ولكنَّه ذَكَر أن المُطالَبة بِمُحاربة القبيلة أو تَجاهلها "هو أمر مُستحيل"، واخْتَتَمَ حديثه بالإشارة إلى أن "طُغيان النبرة القبلية والعشائرية أمْرٌ ينذر بالخطر في المجتمعات، وأنه يجب وضْع حدّ لها، وتقليص مظاهرها".
غير أنَّ الشيخ الفنيسان لم يَتَشَعَّب إلى العوامل التي تُنَشِّط هذه الظاهرة في عُمُوم دول الخليج، كبعض السياسات، والنشاطات، والبرامج الإعلامية، وعدم مُتابعة البرامج المشجِّعة على الصعيد الوطني العام لدَمْج القبائل في التركيبات الاجتماعية الحديثة، وحتى في الكويت؛ حيث قطع المجتمع شوطًا كبيرًا في توزيع المساكن الحكومية، وتشجيع التداخُل السكَّاني بين الحاضرة والبادية، فإنَّ المُصطلح الشائع للإشارة إلى التجمعين السكنيين هو "المناطق الداخلية"، و"المناطق الخارجية".
الأكاديمي السعودي د. عبدالإله العرفج حَمّل بعض وسائل الإعلام المسؤولية في تحريك النزعة القبلية داخل مجتمعات دول الخليج، وقال: "إنَّ مُسابقات تلفزيونية مثل "شاعر المليون"، استطاعتْ في ظرف سنوات قليلة تأجيج ظاهرة القبليّة مِن جديد في المجتمع، بعدما كانتِ الأمورُ تسير هادئة، وبدون ضجّة إعلامية، وأضاف: إن أخطر ما في هذه المسابقات أنَّها أعادتْ للعوام من متابعيها والمشاركين فيها، الحماسَ للقبيلة والاعتزاز بها بصورة غير لائقة، أضرَّتْ بأمن المجتمع واستقراره، مما يقود إلى نتائج خطيرة على سلامة المجتمع".
وذَكَّر د. العرفج القُرَّاء بِخُطُورة الشِّعر على الوعي العربي، "خاصة وأنَّ العَرَب بصفة عامة يُحَرِّك فيهم الشعرُ الكثيرَ منَ الحماس، ويقود نزعاتهم تجاه المضامين التي يحث عليها هذا الشعر".
وذكر "أنَّ الشِّعر يُمكن أن يكونَ قليل الأثر بالنسبة للنُّخبة في المجتمع؛ كالمُثَقَّفين، وعلماء الشرع، بيد أنَّ العامَّة يَتَأَثَّرون به بشكلٍ كبيرٍ".
ولكن ما يبعث على الطمأنينة رغم هذا كله - كما يقول د. العرفج - أن بعضَ المُثقفين صاروا يتناوَلون الموضوع بشيءٍ منَ الاتزان، "وهذا يؤثِّر في العامة، ويحملهم على النظر بتعقُّل في الموضوع، أما البعضُ الآخر فإنَّه - للأسف - أصْبَحَ يعمل على إبقاء هذه الجذوة مشتعلة، إنَّ هؤلاء يغامِرُون بسلامة المجتمع".
ورأى د. العرفج أن "المجتمعَ السعودي قائمٌ على القبيلة"، وقال: "إنَّ القبيلةَ تضعف في المجتمع عندما يُصبح العامِل الديني والسياسي قويًّا، كما أنها تزداد ترسُّخًا عندما يضعف جانب التديُّن والسلطة السياسيَّة في المجتمع، فأيُّ مجتمع هو في النهاية - خاصَّة مُجتمعات الشرق الأوسط - يَتَكَوَّن منَ المكونات الثلاثة: الدِّين، والقبيلة، والسياسة".
ولفت د. العرفج الانْتِباه إلى أن الجري خَلف القبيلة والاحتماء بها "قد يعمل على منْعِ المجتمع منَ التعامُل الإيجابي مع المُتَغَيِّرات، بمعنى أنه يصير مجتمَعًا منغَلِقًا، لا ينفتح، ولا يتأثَّر سلبًا أو إيجابًا مع المتغيّرات مِن حوله، إنَّ كثيرًا مِنَ المجتَمَعات المشابهة، والتي احتمَتْ أكثر منَ اللازم بالقبيلة، اكتشفتْ أنها أصبحتْ مجتمعات جامِدة لم تتحرَّكْ، وأنَّ بونًا شاسعًا أصْبَحَ يفصلها عنِ المجتمَعَات التي انفتحتْ على المكونات الأخرى وتعاملتْ معها".
وأَكَّد د. العرفج "أنَّ أخْطَرَ ما في القبلية، هو أنها تلهي العامَّة والنُّخبة المثقَّفة عنِ القِيَم العليا، وتجعلهم صيدًا سهْلاً في شِباك التحزُّب والتقوقُع في إطار معين، لا يجعلهم يفَكّرون في غير نصرته؛ سواء كان ظالمًا أو مظلومًا، وهذا يجعل المثقَّف والمستنير في مستوى واحد مع العامي، الذي لم يتلقَّ أي قدْر منَ العلم والثقافة".
د. سعيد بن ناصر الغامدي، دافَعَ عنِ القبيلة كواقِعٍ اجتماعي وسياسي بمؤثرات إيجابيَّة؛ "فهي تُشَكِّل قلعة المحافَظة في المجتمَعات، فإن الأحزاب الليبراليَّة والشيوعيَّة كانتْ - في اليمن على سبيل المثال - تحارِب الحجاب بشكلٍ كبيرٍ، لكنَّها لم تستطعْ أن تُحَقّق إنجازًا يُذْكَر؛ بفضل دفاع القبيلة عن هذا الحجاب"، وأضاف د. الغامدي أنَّ القبيلة عرْقلتْ انتشار هذه القِيَم، وهذا ما كان يجعل الليبراليين "شديدي الهُجُوم على القبلية، ويعملون جهدهم على هدمها أو تغيير بنيتها".
ولكن للغامدي كذلك مَخاوفه مِن تفشّي المفاهيم القبلية؛ لأن "بعض العائلات والقبائل تعتقد بأسطورة العِرق النبيل، وأنهم أفضل من غيرهم، مهما كان كسْبُ غيرهم عظيمًا في جوانب العلم والدِّين والصَّلاح، وأرى أنَّ هذه الأسطورة شديدة التخلُّف، وجاهلية، وتغرق المجتمعات في الجهل"، أما أهم ما قاله د. الغامدي في ذمِّ القبلية ومخاطرها، فتأكيده على "أنَّ القبليَّة إذا لم ترشد، فيُمكن أن تكونَ عامل تضعضع للمجتمع، فهي تستطيع أن تُفَكِّك دولة المؤسَّسات، والتي هي أفضل صيغة توصَّل إليها الفِكْر السياسي المعاصِر في حُكم الدولة".
ولكن لماذا عادتِ القبيلةُ إلى الواجِهة السياسيَّة والاجتماعيَّة في دول الخليج والجزيرة واليمن وغيرها؟
جواب د. الغامدي: "إنَّ الاحتماء بالقبيلة أمرٌ فِطْري، بيد أنَّ الاهتمام الزائد بها، وعدم ترشيدها واحتوائها، يؤدِّي إلى الإضرار بالمجتمع، ويفكك تَماسُكه، إن المجتمَعات أصبحتْ مُحبطة منَ السياسة؛ ولذلك فإنها لا شعوريًّا تحاوِل الاحتماء بالقبيلة؛ هُرُوبًا مِن حالة الإحباط".
أستاذ "السياسة الشرعية" د. عبدالله الطريقي، أشار إلى اضطراب سُلُوك الناس وتحالفاتهم: "فالقبيلةُ كانت تقوم في الماضي بكلِّ الوظائف المهمة في حياة أعضائها، منَ الحماية إلى الاقتصاد، إلى الضَّبط الاجتماعي، بيد أن هذه الوظائف سحبتْ منها بعدما حصلتِ النقلةُ من حياة البداوة والصحراء، إلى حياة المدن والعمران".
وما يزال هذا الاضطراب موجودًا؛ فقد يبدو أحيانًا صعبًا إقناعُ الأجيال الجديدة بمدى أهمية القبيلة، وعلى الرغم من ذلك، فالقبيلةُ موجودة باقية وستظل، "وإن مَن يذهب إلى خارج العواصم والمدن الكبرى، فسيرى مدى تغلغُلها في نُفُوس سكان تلك المناطق؛ فالقبيلة - يُضيف د. الطريقي - "حفظتْ الكثير منَ القِيَم؛ بل إنها كانتْ عنوانًا لعدد من الأخلاق النبيلة والفاضلة، مثل: إكرام الضّيف، والجار، والتعاضُد، وإغاثة المَلْهُوف"، ودعا د. الطريقي الباحثين إلى أن "يطرقوا هذا الجانب المهم في حياة السعوديين".
وهذا يعني أنَّنا في حاجة ماسة إلى المزيد منَ الدِّراسات الاجتماعية في المجتمع القبلي، والقبلية السياسية، ولكن ماذا فَعَلْنا بالدِّراسات السابقة في العالَم العربي، وماذا طبَّقنا من التوصيات؟
المفكِّر الإسلامي/ محمد موسى الشريف دعا إلى الاقتداء بالسُّنَّة النبوية في هذا المجال: "إن الطريقةَ المُثلَى التي يجب أن يَتَعَامَل بها الناسُ مع قضية القبيلة، هي الطريقة التي تعامَلَ بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع الموضوع، فهو - صلَّى الله عليه وسلم - لم يلعنها، ولم يُحاربها، كما أنه لم يؤيدها، أو يعززها، وإنّما حَوَّلَ هذا الجانب - المتأصِّل في نُفُوس أهل البادية - إلى خِدمة الإسلام والمسلمين".
الباحث السعودي د. قيس المبارك على عكس ما يراه سعوديون آخرون، فيرى "أن التمسُّك بالقبيلة تراجع كثيرًا في السنوات الأخيرة عما كان عليه الحال في السنين الماضية؛ لأنه ثمة تغيُّرات حصلتْ في المجتمع، أدَّتْ إلى هذه النتيجة".
وذَهَبَ د. المبارك إلى حدِّ التشكيك في الأنساب القبلية، وقال: "إن انتساب الإنسان إلى قبيلة من القبائل، ليس مقطوعًا به في كثير منَ الأحيان"، ثم استدرك مضيفًا: "أمَّا القبائل فمع كون كثير منَ الناس يكون انتسابُهم إليها مظنونًا، وليس مقطوعًا به، غير أنه لا يجوز الطَّعْنُ فيها لثبوتِها في الظاهر، ولو فَتَحْنا هذا الباب لَوَقَعَ النزاع، وربما سالتِ الدِّماء".
وسُئِل: إلى أي مدى أعاقتِ القبيلةُ التَّحَوُّلات الاجتماعيَّة الإيجابيَّة في السعودية؟
فأجاب: "لم تكنِ القبيلةُ سببًا لأحوال اجتماعيَّة سيئة، غير أنها قد تكون عائقًا يَحُول دون تحقيق الأوضاع الاجتماعية الحسنة، كانتخاب الناخبين أبناء قبيلتهم، استنادًا إلى القَرَابَة والنَّسَب لا إلى كفاءتهم، كما حدث في الانتخابات في بعض الدول الخليجية".
أما د. صالح الزهراني، أستاذ الأدب الإنجليزي، ذو الاهتمامات السوسيولوجية أو الاجتماعية، فيقول: إن القبيلة "تجمُّع قائم على عنصرين هما: النَّسَب ومجموعة القِيَم"، وأضاف أن بعض هذه القِيَم "نبيلة؛ كالكرم، والشجاعة، والنخوة، والتكاتُف الاجتماعي"، وهناك "قِيَم حماية، كالتَّعاون على البطش والطغيان في حيِّز جغرافي مُحَدد في الغالب، يضمن لها الخصوصية والبقاء".
كما سئُل: هل ما يزال نظام الحكم في السعودية يعتمد على القبيلة، أو على تحالُفات القبائل؟ فأجاب: "الدولةُ اليوم دولةٌ حديثة، القبيلة مكونة مِن عِدّة مكونات، لكن ولاء القبيلة اليوم هو دورها سابقًا، فهناك مؤسَّسات مجتمع مدني، وجيش، وأمن، ففكر الدولة تجاوَزَ فكر القبيلة الضَّيِّق، دُمجت القبيلة وتداخل المواطنون، فلم يَعُد هناك قبائل ذات حَيّز جغرافي نقي ومحدد اليوم، فنحن في وطن الجميع".
نرجو أن يكونَ هذا هو الحال في عُمُوم المنطقة، غير أن دول مجلس التعاوُن بحاجة إلى "مصارحة اجتماعية" أوسع حول الظاهرة القبليَّة، حيث ما تزال تؤثِّر في مجتمعاتها المباريات الشِّعرية، وسباقات الإبل، وتُثير فيها بعضُ المسلسلات التلفزيونية جدلاً لا ينتهي، فالفتاوى وحدها لا تداوي المشكلة.