بين التفاخر بالقبيلة والتحامل عليها
د . عايض الردادي
المصدر: جريدة عكاظ
تاريخ الإضافة: 16/09/2007 ميلادي - 4/9/1428 هجري
زيارة: 854
كاتب هذه السطور من المتابعين للدكتور سالم سحّاب في كتابته اليومية في جريدة المدينة، والسبب أن د.سحاب مسكون في كتاباته على وجه العموم بهموم الناس، ولكن الحماسة دفعته إلى التجاوز كثيراً في مقاله «التفاخر بالقبيلة: وماذا بعد؟» المنشور يوم 27/6/1428هـ حيث وصم شباب القبائل دون غيرهم بأوصاف غير لائقة، وهجم على القبيلة وبرأ الفضائيات.
وما أثار د.سحاب ما نشر في جريدة الحياة (20/6/1428هـ) من أن بعض شباب القبائل يستخدم رموزاً للتعريف بالقبيلة وتمييزها عن غيرها بعبارات من حروف وأرقام تلصق على زجاج السيارات، ومع أنني لا أدري عن صحة ذلك، وإن وُجد فهو محدود وعبثية من مراهقين أو جهال، وما أكثر ما طرأ على مجتمعنا الآن، ولكنني أقول بدءاً: إن شباب القبائل الذين تلعب بهم الفضائيات ليسوا بحاجة إلى هذه الرموز؛ لأن الرموز موجودة منذ أقدم الأزمان وهي رسوم معروفة، ودونها المؤرخون وبخاصة العثمانيين، وهي وسوم الإبل، التي كان هدفها الحماية من السرقة، لكنها على كل حال تمييز للقبيلة أو الأسرة. اتفق معه في رفض إثارة النعرات قبلية أو إقليمية وأختلف معه في تبرئة الفضائيات من ذلك، فأهدافها إعلانية دون نظر لأضرارها الاجتماعية الكبيرة، ويظهر ذلك في اقتناص هذه الفضائيات لمسابقة شاعر المليون في إثارة العصبيات بهدف جمع أكبر قدر من المال مع أن المستفيد مادياً القناة ومن يديرها، والحال كذلك في استغلال مهرجانات الإبل في إثارة النعرات بهدف جلب الإعلان، وأنا أعرف أن كثيراً من عقلاء القبائل حذروا، ومازالوا يحذرون من الانحدار الذي تسير فيه الفضائيات ومن قبلها المجلات الشعبية بل إن من المهتمين من حذر من ذلك في حفل حضره مهتمون بتاريخ الأنساب وألا يُخرج به عن الترابط وصلة الرحم الذي سنّه الإسلام إلى إثارة العصبية الجاهلية، فالمسيء هو الفضائيات وليس شباب القبائل أو أنسابها أو مزايين إبلها.
إن الإنسان ليس مخيّراً في الانتماء لقبيلة عربية أو أفغانية أو افريقية، فذلك خلق الله، والله وجّه رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينذر عشيرته الأقربين «وأنذر عشيرتك الأقربين» (الشعراء/214)، ولا يُعد قدحاً فيه أن له عشيرة، بل إنه صلى الله عليه وسلم نادى قريشاً بطناً بطناً ولم يكتف بمناداتهم بما يجمعهم وهي قريش. إن معرفة الإنسان لنسبه ومحافظته عليه مندوب إليه في الشرع ويقول ابن حزم: «إن الله جعل تعارف الناس بأنسابهم غرضاً له تعالى في خلقه إيانا شعوباً وقبائل، فوجب بذلك أن علم النسب علم جليل رفيع إذ به يكون التعارف» ومن أراد المزيد والأدلة فليقرأ «جمهرة أنساب العرب» لابن حزم مما لا يتسع له المقام هنا، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: ليس رجل ادّعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر بالله، ومن ادعى قوماً ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار» ويقول عمر بن يوسف بن رسول في كلام علمي فقهي: «فكان الناس في صدر الإسلام يتعلمون الأنساب كما يتعلمون الفقه، وكانوا إذا قصدوا سعيد بن المسيّب للفقه قصدوا عبدالله بن ثعلبة ليأخذوا عنه الأنساب كما ذكره ابن عبدالبر في الإنباه» وانظر التفاصيل في كتابه «طرفة الأصحاب في معرفة الأنساب». ولن أسرد الكتب التي ألفها السلف في فضائل العرب فهي كثيرة.
المحرَّم في الإسلام هو المفاخرة بالنسب عربياً أم أوروبياً أم فارسياً أم غير ذلك، فهذه قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم «دعوها فإنها منتنة» ولم يعب على المهاجرين أو الأنصار أنسابهم، أما معرفة النسب للتعارف وصلة الرحم ممن تعلمه ما هو واجب، ومنه ما هو مندوب وتفصيله عند الفقهاء وليس هنا.
إن تفاخر بعض الشباب أو غيرهم بالأنساب أو استغلال الفضائيات ذلك في الإعلان لا ينبغي أن يصل إلى التحامل على الناس فيما أوجدهم الله عليه، ولا ينبغي أن يؤدي إلى الاستفزاز بل ينبغي الأخذ على يد دعاة العصبية ومن يتخذ ذلك ذريعة للهجوم على أطياف المجتمع أو أعراقه.