العصبية القبلية وموقف الإسلام منها
عبدالله بن محمد بن خميس
المصدر: كتاب العصبية القبلية
تاريخ الإضافة: 28/08/2007 ميلادي - 14/8/1428 هجري
زيارة: 1465
التقييم: 10.0/10 (عدد المصوتين: 3)
بين أيدينا كتاب جديد في موضوعه وفي جُرْأته، وحساسية هذا الموضوع الهام وعدم تقبُّل الكثيرين له تنسحب على كتابة تقديم له، فنحن أُمَّة تؤثِّر فينا تقاليدنا، وموروثاتنا الاجتماعية وأعرافنا تأثيرًا كبيرًا؛ حَسَنُها وسيئها، فقد ورثنا - إلى جانب المروءة، والشجاعة، والكرم - العصبيةَ القبلية؛ التي تكاد تعصف بكل موروثاتنا الحميدة الأخرى.
وهي - في الواقع - ربما لم تَعُدْ عصبيةً بالمعنى الذي كان سائدًا قبل توحيد الجزيرة - على يد طيِّبِ الذِّكْر المغفورِ له الملك عبدالعزيز - بل أضحت تصنيفًا اجتماعيًّا قاسيًا، يؤخذ به أكثر من العدالة الاجتماعية الإسلامية؛ في الزواج، والعمل، والتعليم، بل وحتى في التعامل اليومي بين أفراد المجتمع.
وبعد أن وَدَّعْنَا زمانَ الاقتتال والحروب بين قبائل يجمع بينها بلد واحد، ودين واحد، ولغة واحدة، إذا بنا ننقل المعركة إلى ميدان آخر، ميدان الحياة الاجتماعية؛ فهذا فلانيّ، وذاك علاّني، والثالث لا هذا ولا ذاك! وكأن الله سبحانه وتعالى قد أعطانا الحقَّ في تقسيم الناس تقسيمًا لم يُقِرَّه هو سبحانه، ولم يَسُنَّه لنا النبي صلى الله عليه وسلم، وأصبحت لنا شريعة أخرى غير شريعة الله، وبِتْنا نخشى الناس والمجتمع أكثر من خشيتنا الله.
والآيات والأحاديث الواردة في هذا الشأن كثيرة، وصِيَغ الأمر والنهي فيها واضحة، ولم يألُ الكاتب جهدًا في تدعيم بحثه بها؛ فالله سبحانه يقول: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً}؛ كما ورد في سورة النساء [الآية: 1]، وفي هذا تأكيد على مساواة الخلق جميعِهم؛ عربيِّهم وأعجميِّهم، ثمّ جاء التفضيل بعد ذلك بالتقوى، وليس بالنسب أو الجاه أو المال؛ {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحُجرَات: 13]، أو كما جاء في الحديث: ((إِلاَّ بِالتَّقْوى))
[1]، وفي الحديث أيضًا: ((إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ، فَأَنْكِحُوهُ))
[2]، وجاء التوجيه بصيغة الأمر، وليس التفضيل أو الندب أو الجواز.
ولمّا كانت الأسرة هي الأساس الذي يقوم عليه المجتمع المسلم، فقد خصّها الرسول صلى الله عليه وسلم بكثير من التوجيهات والأوامر، في بنائها واختيار طرفَيْها، وتنشئة أفرادها، على الخُلُق الإسلامي القويم.
واقتران العصبية القبلية بالجاهلية كاف لنبذ الناس لها، ولكنها لا تزال فيهم تصديقًا للحديث الشريف: ((ثَلاَثٌ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ لاَ يَتْرُكُهُنَّ أَهْلُ الإِْسْلاَمِ...))، وذكر منها: ((دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ: يَا آلَ فُلاَن، يَا آلَ فُلاَن))
[3]، ومما ورد أيضًا في الحديث أنَّ أبا ذَرٍّ دعا بلالاً: ((يا ابنَ السَّوْدَاء))، فلما بلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، زجره قائلاً: ((إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ))
[4]، فما كان من أبي ذر إلا أن وضع خده على الأرض، وسأل بلالاً أن يطأه بقدمه تكفيرًا لذنبه! فكيف بنا ونحن يُحقّر بعضنا بعضًا كل يوم بسبب اللون، ونقلِّل من شأن بعضنا كل يوم بسبب العِرْق، ونمارس المحسوبية لأن هذا من شيعتنا وذاك ليس من شيعتنا، فتتأخر البلاد، وينقم على بعضهم العباد.
وما ورد في القرآن الكريم والسنّة الشريفة من آيات وأحاديث كثير ومستفيض كما ذكرنا؛ لأن العدالة الاجتماعية والمساواة بين الناس هي إحدى الأسس التي قامت عليها الدعوة الإسلاميّة؛ فساوى الرسول صلى الله عليه وسلم بين عبيد مكة وأشرافها، وأغنيائها وفقرائها، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وبين العرب ومَوَاليهم؛ من الأحباش، والفرس، والروم، ودروس السيرة النبوية في ذلك كثيرة، ويكفي حديث: ((سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ))
[5].
وهذا البحث يناقش هذه القضية بأسلوب علمي مدروس، فيبدأ بشرح وافٍ وكافٍ لمفهوم العصبية القبلية، وأنواعها ومظاهرها في الجاهلية، ثمّ يتعرض لموقف الإسلام الواضح منها، فيتحدّث بعد ذلك عن العصبية القبلية المعاصرة، ومظاهرها في المجتمع؛ من فخر، وطبقية، ومحسوبية، وأسوأ هذه المظاهر - في تقديرنا - هو العصبية في اختيار الزوج الزوجة، وإذا أضفنا لهذه غلاء المهور عندنا، وجدنا أنفسنا قد تفشّت فينا ظاهرة العنوسة تفشيًا كبيرًا، وهذه والله ((فِتْنَةٌ فِي الأَْرْضِ، وَفَسَادٌ كَبِيرٌ))
[6] ؛ كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فاختيار الزوج كما حدده النبي صلى الله عليه وسلم مبني على ((مَنْ ترضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ))
[7]، وليس أصله وفصله.
ويختتم الكاتب بحثه بكيفية معالجة الإسلام لهذه العصبيات، وبتوصيات يرى أنها كفيلة بالتقليل من هذه العصبية الذميمة.
وموضوع العصبية لم ينشأ في يوم وليلة؛ لذا فإن علاجه لن يتم في يوم وليلة، ولكنَّ مثل هذا البحث القيّم خطوة جيدة وجريئة في هذا الطريق.
والله الموفق،،،
ــــــــــــــــــــــــ
[1] سبق تخريجه (ص7)، هامش (1).
[2] سبق تخريجه (ص9)، هامش (3).
[3] أخرجه أحمد في "مسنده" (7550)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[4] عزاه الحافظ العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (3506) لابن المبارك في البر والصلة. وأصله في "البخاري" (30)، ومسلم (1661): أن أبا ذرٍّ سابَّ رَجُلاً فَعَيَّرَهُ بأُمِّهِ، وفيه: فقال له النبي (ص): «إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّة».
[5] سبق تخريجه (ص8)، هامش (5).
[6] جزء من حديث، سبق تخريجه (ص9)، هامش (3)، وهذا اللفظ في "سنن البيهقي الكبرى" (7/82)، للحديث نفسه.
[7] جزء من الحديث السابق عينِه.